السعيد شنوقة

288

التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة

ويتساءل الزمخشري عن إسناد الملائكة فعل التقدير لأنفسهم رغم أنه لله وحده دون أن يقولوا : قدّر الله . يجيب مدرجا خلفية المعتزلة في تفضيل الملائكة مبينا بأن ذلك إنما كان لقربهم من الله تعالى ولاختصاصهم به ، وليس هذا لأحد غيرهم ؛ كما يقول المقرّبون من الملك أو خاصته : أمرنا بكذا ، ودبّرنا كذا ، وليس الآمر والمدبر إلا الملك لا هم « 1 » . ويستعمل النحو لإقرار بعض أصول المعتزلة مثل نفي الرؤية عند الآية الكريمة : لَنْ تَرانِي [ الأعراف : 143 ] بيانه معنى ( لن ) وضمّنه معنى اعتقاده بأن الله عز وجل لا يرى . قال : « فإن قلت : ما معنى لن ؟ قلت : تأكيد النفي الذي تعطيه لا . وذلك أن لا تنفي المستقبل . تقول : لا أفعل غدا ؛ فإن أكّدت نفيها قلت : لن أفعل غدا . والمعنى : أن فعله ينافي حالي كقوله : لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ [ الحج : 73 ] ، فقوله : لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ [ الأنعام : 103 ] : نفي الرؤية فيما يستقبل ولن تراني تأكيد وبيان ؛ لأن النفي مناف لصفاته » « 2 » ، وممّن بيّن تحميل الزمخشري اعتقاده في لن أنها لتأبيد النفي ابن مالك . أما غيره فقالوا بأنها ليست للتأبيد لأنها لو كان كذلك « لم يقيد منفيها باليوم في قوله : فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا [ مريم : 26 ] ، ولم يصح التوقيت في : لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنا مُوسى [ طه : 91 ] ، ولكان ذكر الأبد في : وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً [ البقرة : 95 ] تكرارا والأصل عدمه . واستفادة التأبيد في : لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً ونحوه من خارج » « 3 » . وقد وافق ابن عطية الزمخشري على إفادة ( لن ) التأبيد لأنه قال في قوله : ( لن تراني ) : « لو بقينا على هذا النفي لتضمن أن موسى لا يراه أبدا ولا في الآخرة » لكنه استدرك بأنه « ثبت في الحديث المتواتر أن أهل الجنة يرونه » « 4 » . وأبرز الزملكاني خلاف الزمخشري أنّ ( لن ) تنفي بغير امتداد النفي ، وبأنّ ( لا ) يمتدّ معها النفي ؛ والسرّ في ذلك حسبه أن الألفاظ تشاكل المعاني ؛ و ( لا ) آخرها الألف واللام يصح أو قل

--> ( 1 ) انظر الكشاف ، ج 2 ، ص 394 . ( 2 ) الكشاف ، ج 2 ، ص 112 . ( 3 ) محمد بن محمد بن محمد الغزي ، إتقان ما يحسن من الأخبار الدائرة على الألسن ، ج 1 ، ص 507 . ( 4 ) م ن ، ج 1 ، ص 507 .